
في العطلة الدراسية، حين تشتد حرارة نواكشوط ويكثر البعوض ويضيق صدر العاصمة، ننطلق إلى قريتنا " بوفكيرين " على مشارف أفلة.
من منزلنا الحجري ، تدور العين ككاميرا:
شرقاً... ينطلق البصر ليصطدم بـ"گلب التيداتن"، ثم يلتفت يمنة إلى "أسْبيْخه" و"گلب ألمصدار"، قبل أن يغوص في "الدخلة الماخظ - سيف دبگانه"، ثم يتراجع قليلاً ليرى "تامورت كبيره" وأشجار "أمور" الشامخة تلوح من بعيد و عوينة أزبل .
ثم ينعطف شمالاً بسرعة: سلسلة "فريدي" حيث أشجار "آدرس" و"إمجيج" تلف الحجارة برداء أخضر، ثم تتدلى منها "لبهگ" - رمال بيضاء متناثرة عليها أشجار الطلح كأنها قلادة - فأمكيكه و الواد و التاشوط ثم "گلب بوفكيرين" و"أم آوداش".
ثم يلف غرباً ليقف على "أگْراف أجيْمامه"، ثم يقفز إلى "البيجوج" شامخاً، و و گلابت أزرافيه و گلب لَمْدنَّه ثم ينحدر إلى "دخلة أسْدر".
ثم يدور جنوباً ليرى "لَمْكيْفيات" و"جديان"، ثم "السيف" و" أرْويحلَه" كحارسَيْن للسهوب، ثم "أم مغيريف" تراقب من بعيد.
وأخيراً... تستقر العين على "لگعر" حيث تتدفق جداول المياه وتتزاحم الأشجار الكثيفة: التمات، سدر بيظ، تكفيت، الطلح، أوروار، وتيشط و أمُورْ …وفيه "تويميرت ول مموه". هذا "لگعر" الذي تنبثق من بطنه نقاط الماء - أطرطْيگه و "الشگ" و"أم مغيريف" - تتناثر بينها مساحات استصلحت "أنشكطت "بالأيادي لتكون حقولاً للذرة " مكه "والدخن " أزرع "واللوبياء " آدلگان "، منظر يخطف الروح .
وغرب المنزل يمتد مراح الإبل، تحوطه شجرات طلح. إحداهن توضع عليها عقال النوق، وإلى جانبها شجرتا تيشط يُربط فيهما ربگ العجول. وفي جذر إحداهن نصف برميل فيه "أمرسال" - تربة مالحة على شكل قشور طينية تأتي من باطن تيشيت. وتحت طلحة أخرى توقد النار في ليالي الخريف الصامتة التي يشتد فيها البعوض، فيحمي الدخان والحرارة النوق من أذاه.
في تلك العطلة، أرسل الوالد "أبجاوي" على جمله ليتفقد "بَوَّاه" - مكان القطيع - وينظر في "المقطع" إن كان المرعى يسمح بجلب النوق الحلوب. عاد الخبر خيراً، فجاء الراعي ومعه النوق "أشوايل" من بينهم "شتويات" وأخريات "ملّگحه أو نياگ ألگاح". ومن بينها "زروگ" - حفيد "لگعود لغش" الجمل التِيلاَدْ الأسطوري من ذرية " أَطًْويْرِحْ " ، وأمه "منت لمْريْخميه" سليلة سلالة "لَحْمّادِّياتْ".
كان زروگ بلونه المميز: "أحمر أَمْبّوككْ، وجهه أبيض و بدرّْگٌو، تباعتو بيظ، و بطنه وأيديه بّرْشْ ". وكان في حالة يقال لها محلياً "دوران الإبل" حيث "لعراريگ كحل ولكفل أمْحمرْ "، وهديره الذي توجس منه القطعان، و " الكَشْكْوشه "والزبّد الذي يخرج من فمه. كان الراعي يعقد عليه الآمال أن يكون خليفة لأبيه.
لكن هذه المرة، تسللت مع النوق "زِوْل" من الضالة - مخلطة العلامة - و"أتْواري". كان الراعي يطردها كل مساء، فتعود خلسة إلى المراح تريد أمرسال "تشَنْكَّ اعل مطاريح أمرسال". كانت تأتي للملح أولاً، ثم تنسرب إلى المزارع. ومن هناك تأقلمت مع زروگ، فصار يتبعها. هناك بدأت الحكاية.
في البداية، كان أهل المزارع ( أزْرَايِبْ) يعزون الفساد إلى الضالة وحدها، والراعي يقنع الوالد أن زروگ لا يعرف المزارع. لكن الضالة صارت دليلاً، والفساد تكرر، و الوالد يدفع التعويضات ورعاً مع الاعتذار . كان الراعي يقول: "زروگ أصيل، لا يحتاج لعقل كل ليلة". وكلما حل الظلام، كان زروگ يفك رباطه عائداً.
وفي ليلة، بات المزارع "سالم" في عريشه من سعف " أصَبايْ "يتوسط حقلاً يفيض خيراً: سنابل الدخن الذهبية تتدلى كالعقود تمايلها الريح، وقرون اللوبياء الخضراء تتدلى متعانقة. إلى جانبه "الشنه" - تلك القربة الجلدية العتيقة - تتدلى من وتد من " تيْشِط" ، فيها ماء بارد يروح ظمأ السهرة.
أوقد ناراً صغيرة في حفرة، وتركها حتى صار الجمر يتوهج. ثم أخذ حفنة من قرون اللوبياء - "شكط" - فدفنها في الرماد الحار. كانت الرائحة تفوح، رائحة اللوبياء المشوية تختلط بدخان الغضا ورائحة التراب المبتل. وكان ينوي غداً أن يحضر " مَنْگُّو" من بعض سنابل الدخن تلك.
وهو ينظر إلى حقله تحت ضوء القمر، شعر بطمأنينة الفلاح الذي يقطف ثمرة تعبه. قال في نفسه: "هذا العام خير".
في جوف الليل، سمع صوتاً ثقيلاً. سواد هائل يتسلل بين الأسلاك. قفز زروگ إلى وسط الحقل، يقضم السنابل ويدوس ما لا يأكل. هجم عليه سالم بعصاه، فرفع الجمل رأسه وأطلق هديراً ملأ الوادي، فتراجع الرجل خوفاً. ظل الجمل يأكل حتى امتلأ بطنه ثم انصرف.
أصبح الصباح وحقله محطماً. سنابل مبعثرة، وقرون مدوسة في التراب. "منگو " الذي كان يحلم به صار تحت أقدام الجمل. أطفأ النار التي بقيت رماداً، ومسح عرق جبينه الذي اختلط بدموعه. ثم قبض على زروگ وقيَّده إلى جذع غاف، وأرسل إلينا: "تعالوا انظروا".
وصلنا. سالم واقف تحت الشمس، والعرق ينحدر على وجهه الأسمر: "هذا الزرع كان سيُطعم عيالنا. زروگ تعوَّد أكل المحاصيل. صار كالفقنون".
الفقنون... حشرة تأكل "آدلگان"، إذا أخذتها إلى الصحراء وأدرتها - "زگننتها الين ارتبط راصه" - تعود إلى الحقل نفسه.
نظر الوالد إلى زروگ، ثم إلى الراعي: "قلت لي أصيل لا يحتاج لعقل... الآن ترى". اعتذر الراعي وطلب السماح، ودفع الوالد التعويض مع الاعتذار ، ثم أمر الراعي في الحال بتوصيل زروگ إلى القطيع في البادية. لكنه لم يستقر.
جاء الشتاء، وانتجع القطيع شرقاً حيث غابات الأشجار المسمنة: إيِدَّاْر، اللِِّينة، أَيْزِنْ، آدرِسْ، أَمِجيجْ، دَمْبُّو….. غاب زروگ معهم، فإذا به يعود إلى القرية وحيداً، إلى " أزْرايب " في "لگعر".
وجاء الخريف، وانتجع القطيع نحو الشمال حيث النباتات الجيدة: آسْكاف، أيَْمِيم، لَحبْالِيَّه، تلَبُّوتْ، آكْشِتْ، أمسْرَّارْ….. كان القطيع يجتاز الفيافي والقفار، تلك المسافات التي تشبه "عبور الصحراء". لكن زروگ عبر وعاد. في كل رجعة، كان يختار حقلاً جديداً. صار لا يبرح القرية، حتى في غير مواسم الحرث يقف أمام المنزل ينتظر العلف. هنا أدرك الوالد أن العيب استحكم و أن زروگ " أخْسر عرْفُو " كما قال . وكان الراعي أول من ندم: الأصيل إذا ترك بلا عقال في أول زلة، صار عقاله بعدها لا ينفع.
وما أردت قوله، أن زروگ ليس جملًا فقط، بل مرآة نراها كل يوم. كم من أصيل، تحمل إرث الآباء و وسام النخبة، تعوَّد ما لا يليق به، فصار لا يهتدي إلا إلى حيث تُنبت المحاصيل المحرمة؟ وكم من صاحب منصب، إذا أمسكناه في حقل، درناه في الصحراء، وأرحناه من المسؤولية، فإذا به يعود كالفقنون لا إلى رشد، بل إلى عادته الأولى، يفتش عن الحقل نفسه تحت عنوان جديد؟
الفساد ليس عيبًا في النسب أو شينًا في الأصل، إنه عادة تتسلل ثم تصير طبعًا، وغالبًا ما يبدأ بغفلة راعٍ أو برفيق سوء يرسم الطريق. وما زال زروگ حائرًا بين البادية والقرية، بين نداء الأصالة وإدمان السهلة، و نحن نحلم أن تعود إليه روح أبيه التي كانت لا تعرف إلا العزة في القفار. لكن الحلم يبقى حلمًا، ما لم تُشد العقالات باكرًا، وتُقطع دروب الضالة قبل أن تُعلِّم الأصيل كيف يصير فقنونًا.
اطيب المنى .

