
في هذا المقال التوثيقي سنتعرض إلى تجربة نادرة إن لم تكن فريدة من نوعها إذا أخذنا في الاعتبار السياق والظروف التي حدثت فيها، حيث سنتناول كيفية إسهام الوجيه محمدو ولد أبنو في فكّ العزلة عن مدينة شنقيط عبر ممرّ نواتيل في ضوء عدة وثائق تاريخية ومراسلات رسمية وقعت بين أيدينا منها ما هو صادر عن رئاسة الدولة ومنها ماهو صادر عن العديد من الوزارات مثل وزارة الخارجية ووزارة التجهيز وغيرها. الوثائق منها ماتم تحريره باللغة العربية ومنها ماهو مكتوب باللغة الفرنسية.
نبذة تاريخية
مدينة شنقيط، الواقعة في قلب آدرار، ليست مجرد بلدة عادية؛ إنها رمز حضاري وروحي في تاريخ موريتانيا والعالم الإسلامي. فقد كانت هذه الحاضرة عبر عدة قرون مركزًا للعلم والفقه والرحلات، ومنها انطلقت القوافل نحو الحج. لكنها عرفت مع أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة حرجة كادت أن تفضي إلى اندثارها تدريجيا. فقد كانت المدينة التاريخية تواجه خطرًا وجوديًا تمثل في الجفاف، وزحف الرمال، ووعورة المسالك، مما اضطر سكانها إلى مغادرتها في موجة هجرة متصاعدة. في تلك اللحظة، لم يكن الحل في انتظار تدخل خارجي أو مشروع حكومي جاهز، بل جاء من مبادرة فردية جسّدت معنى الوطنية في أسمى صورها.
هنا يبرز اسم الوجيه ورجل الأعمال محمدو ولد أبنو، الذي قرر أن يخوض معركة صامتة ضد العزلة، عبر مشروع بدا في حينه أقرب إلى المستحيل: شق طريق يربط بين أطار وشنقيط، وسط تضاريس جبلية قاسية.
الظروف في الثمانينيات
الطريق القديم الذي يربط أطار بشنقيط كان يمر عبر آمگجار، وهو طريق جبليمليء بالمنحدرات الخطرة، مما جعل السفر محفوفًا بالمخاطر. الوثائق الرسمية تصف هذا الطريق بأنه "يعرض حياة المسافرين للخطر بسبب الانحدارات الجبلية الكثيرة". في ظل هذه الظروف، كانت شنقيط معزولة، وبدأت آثارها التاريخية تتعرض للاندثار.
مشروع وطني بدأ بنداء رسمي
في أبريل 1982، أطلق رئيس الدولة نداءً إلى كافة المواطنين راجيا منهم تحمل حقيقة الاعباء المصيرية للدولة وللشعب وضرورة الاعتماد على أولا وقبل كل شيء على الوسائل الخاصة. تكشف الوثائق الرسمية أن هذا المشروع لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل جاء في سياق وطني واضح. ففي رسالة صادرة عن وزارة التجهيز بتاريخ 3 أغسطس 1982، والموجهة إلى محمدو ولد أبنو، ورد ما يلي:"استجابة منكم للنداء الذي وجهه رئيس الدولة، فقد اتخذتم قرارًا جريئًا للقيام بإنجاز أعمال إعداد الطريق الجديد الرابط بين أطار وشنقيط."
وتضيف الرسالة في توصيف دقيق لطبيعة المشروع: "إنها مهمة صعبة وعظيمة… الشق الذي سيتطلب كثيرًا من الجرأة والجهود وكثيرًا من الوسائل الفنية والمادية."
هذا الاعتراف المبكر يعكس إدراك السلطات لحجم التحدي، كما يؤكد أن المبادرة كانت في صلب مشروع وطني يستدعي تعبئة عامة.
إشادة من أعلى هرم الدولة
لم يمر هذا الجهد دون تقدير رسمي. ققد أكدت وثيقة صادرة عن ديوان رئاسة الجمهورية بتاريخ 26 يناير 1983، أن المشروع حظي باهتمام الدولة، حيث ورد فيها: "لقد أبدى رئيس الدولة اهتمامًا بالغًا بهذا المشروع الذي تكتسي أهميته أبعادًا سياسية واجتماعية واقتصادية… ولا شك أن هذه المبادرة سيكون لها انعكاس إيجابي بالنسبة لكافة المواطنين في منطقة آدرار."
وفي وثيقة أخرى صادرة عن رئاسة الدولة بتاريخ 23 فبراير 1983، تم توجيه إشادة صريحة بالمبادرة، جاء فيها: "يُرجى من كافة السلطات المدنية والعسكرية وكافة الأشخاص ذوي الإرادة الحسنة… أن يوجهوا تشجيعًا للسيد محمدو ولد أبنو، مدير المشروع الجاري إنجازه، المتمثل في بناء الطريق الرابط بين أطار وشنقيط."
هذا التوصيف الرسمي يضع المشروع في سياق أوسع، باعتباره رافعة تنموية متكاملة، وليس مجرد طريق.
لقد استجاب رجل الأعمال محمدو ولد أبنو لهذا النداء، متحمّلًا من ماله الخاص عبء المشروع. فمنذ ذلك التاريخ، بدأ ولد أبنو في شق الطريق عبر ممر نوَاتيل، وهو ممر جبلي شديد الوعورة، مستخدمًا موارده الخاصة، ومتحمّلًا تكاليف العمالة والمعدات والوقود والأدوات اللازمة لتفجير الصخور.
تضحية من المال الخاص… وإرادة لا تلين
إن ما يميز هذا المشروع أكثر من غيره، هو أنه لم يعتمد أساسًا على تمويل حكومي، بل قام على الموارد الخاصة لصاحبه. حيث تؤكد وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الأشغال العامة "أن السيد محمدو ولد أبنو ينفذ حالياً، على موارده الخاصة، مشروع الطريق الجديد أطار – شنقيط بطول 84 كلم عبر ممر نوَاتيل."
كما ورد في وثيقة صادرة عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون سنة 1989 هذا الجانب بشكل واضح، حيث جاء فيها: "إن صاحب هذه الإفادة رجل من رجال الخير، وظف جهوده وإمكاناته منذ ست (6) سنوات في سبيل إنجاز أعمال ذات نفع عام." وتكشف الوثيقة عن حجم التحدي المالي: "لم يتبق من المشروع إلا حوالي 20% من مجموع كلفته الإجمالية المقدرة ب 2 مليار أوقية."
هذه الأرقام، في سياق تلك الفترة، تعكس حجم التضحية الشخصية، وتُظهر أن المشروع كان رهانًا وجوديًا يهتم بتنمية المنطقة، حيث ورد في إحدى الوثائق الحكومية الرسمية "أن المشروع لا يخدم شنقيط وحدها، بل أيضًا مدنا تاريخية أخرى مثل وادان."
بين الذاكرة الوطنية وواجب الاعتراف
إن استحضار هذه التجربة اليوم ليس مجرد استذكار لحدث ماضٍ، بل هو دعوة لإعادة قراءة نماذج من العمل الوطني الصادق، حيث تتقدم المبادرة الفردية لسد فراغات الدولة، دون انتظار مقابل.
لقد أثبتت الوثائق الرسمية التي عثرنا عليها، بما لا يدع مجالًا للشك، أن السيدمحمدو ولد أبنو لم يكن مجرد مساهم في مشروع طريق، بل كان المحرك الأساسي له، وصاحب الرهان الأكبر فيه. في زمن تتعدد فيه المشاريع وتتشابك المصالح، تظل بعض القصص مختلفة… لأنها كُتبت بعرق أصحابها، ودُونتبتضحياتهم.
في الوثائق الرسمية، لا يظهر اسم محمدو ولد أبنو كـ«ممُوِّل» وحسب، بل كـمنسّق ميداني يشتغل على خطوط الكسر: ممر نواتيل، الهضبة، الردميات الصخرية، التفجير، التجريف، وتوفير الوقود وقطع الغيار. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفرق بين حُلم طريق ووجوده على الأرض. لقد لبّى نداء الوطن حين بدا أن مؤسسات الدولة لا تملك الوسائل الكافية وحدها، فسدّ فراغًا كان يمكن أن يبتلع شنقيط إلى أمدٍ طويل.
أثر الطريق : من فك العزلة إلى إحياء التاريخ
مع تقدم الأشغال، بدأ أثر الطريق يظهر تدريجيًا. فقد ساهم في فك العزلة عن مدينة شنقيط ، وإعادة ربطها بمدينة أطار، وتسهيل الوصول إلى مدن تاريخية أخرى مثل وادان، ودعم الاستقرار السكاني والحد من الهجرة.
وبذلك، لم يكن هذا الإنجاز مجرد طريق، بل كان شريان حياة أعاد وصل مدينة تاريخية بعمقها الوطني والإسلامي، وحمى جزءًا من التراث الموريتاني من خطر الاندثار. كما استفادت مدن آدرار الأخرى مثل وادان من هذا المشروع، مما أعاد الحياة إلى المنطقة بأكملها.
خاتمة
محمدو ولد أبنو لم يكن مجرد رجل أعمال، بل كان نموذجًا للمواطن الذي يضع الوطن أولًا، ويثبت أن الإرادة والتضحية يمكن أن تتحدى الجبال والصعاب. قصته مع طريق أطار – شنقيط ليست مجرد فصل في تاريخ البنية التحتية، بل شهادة على أن الأفراد، حين يتحلون بالوطنية الصادقة، قادرون على إنقاذ مدن بأكملها.
الطريق لم يكن مجرد مسافة تُختصر، بل كان زمنًا يُستعاد، ومدينة تُنقذ، وتاريخًا يُحمى من النسيان.

